ابن أبي الحديد

392

شرح نهج البلاغة

ركابه الغرق من مكان مخوف من البحر ، فبشرهم بتجاوزه قبل أن يتجاوزه لئلا يضطربوا فيتعجل غرقهم . وقد يحمد رياء الرئيس إذا قصد أن يقتدى به في فعل الخير والمعجب لاحظ له في سبب من أسباب المحمدة بحال . وأيضا فلأنك إذا وعظت الكاذب والمرائي فنفسهما تصدقك وتثلبهما لمعرفتهما بنفسهما ، والمعجب فلجهله بنفسه يظنك في وعظه لاغيا ، فلا ينتفع بمقالك ، وإلى هذا المعنى أشار سبحانه بقوله : ( أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ) ( 1 ) ، ثم قال سبحانه : ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) ( 2 ) ، تنبيها على أنهم لا يعقلون لإعجابهم . وقال ( عليه السلام ) : ثلاث مهلكات : شح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه . وفى المثل : إن إبليس قال : إذا ظفرت من ابن آدم بثلاث لم أطالبه بغيرها : إذا أعجب بنفسه ، واستكثر عمله ، ونسي ذنوبه . وقالت الحكماء : كما أن المعجب بفرسه لا يروم أن يستبدل به ، غيره ، كذلك المعجب بنفسه لا يريد بحاله بدلا ، وإن كانت رديئة . وأصل الاعجاب من حب الانسان لنفسه ، وقد قال ( عليه السلام ) : " حبك الشئ يعمى ويصم " ، ومن عمى وصم تعذر عليه رؤية عيوبه وسماعها ، فلذلك وجب على الانسان أن يجعل على نفسه عيونا تعرفه عيوبه ، نحو ما قال عمر : أحب الناس إلى امرؤ أهدى إلى عيوبي . ويجب على الانسان إذا رأى من غيره سيئة أن يرجع إلى نفسه ، فإن رأى ذلك

--> ( 1 ) سورة فاطر 8 .